فخر الدين الرازي

331

المطالب العالية من العلم الإلهي

متناهية ، [ لكن انقضاء مدة غير متناهية ] « 1 » محال . فكان حصول هذا اليوم موقوفا على شرط محال . والموقوف على المحال : محال . فكان يجب أن يكون حصول هذا اليوم محالا . وحيث لم يكن كذلك : علمنا أن الذي انقضى قبله ، كان متناهيا ، لا غير متناهي . والثاني : إن الأزل والأبد يتقابلان تقابل المتناقضين ، وكل أمرين هذا شأنهما ، فلا بد وأن يتميز أحدهما عن الآخر ، فيجب أن يكون آخر الأزل متصلا بأول الأبد ، إلا أن هذا محال . لأن كل [ حد ] « 2 » فرض كونه آخرا للأزل ، وأولا للأبد ، فإن آخر الأزل وأول الأبد ، كان موجودا قبله ، لأن الوقت الذي يكون متقدما على ذلك الوقت بمقدار مائة سنة ، يكون خارجا عن الأزل وداخلا في الأبد ، وعلى هذا التقدير يمتنع تميز الأبد عن الأزل ، وقد فرضناه متميزا عنه . هذا خلف . الثالث : إذا قلنا : كان اللّه موجودا في الأزل ، وسيكون موجودا في الأبد . فقولنا : كان : يفيد أمرا كان موجودا ، وقد انقضى الآن ، وما بقي . وقولنا : يكون . يفيد أمرا سيكون موجودا في الأبد ، وهو الآن غير حاصل . فإذن كل ما يصدق عليه أنه كان وسيكون ، ففيه أحوال متغيرة متجددة . وذات اللّه تعالى ، لما كان واجب الدوام ، ممتنع التغير ، وجب أن لا يصدق عليه : أنه كان في الأزل ، وسيكون في الأبد ، وأنه كان الآن ، وكل ما كذبت عليه هذه الألفاظ الثلاثة ، فإنه يمتنع كونه موجودا . هذا خلف . واعلم : أن مباحث الأزل والأبد ذكرناها على الاستقصاء التام ، في الكتاب المشتمل على البحث عن حقيقة المكان والزمان . وليكن هذا آخر كلامنا في الكتاب الأول من العلم الإلهي . وقال المصنف مولانا الداعي إلى اللّه ، رحمة اللّه عليه : تم ذلك يوم الجمعة من ذي القعدة سنة 603 ثلاث وستمائة . والحمد للّه على كل حال .

--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) .